السيد عباس علي الموسوي

344

شرح نهج البلاغة

أو أن قربه منا يساوينا معه في المكان والزمان فنجتمع معه كلا فليس ذلك مراده لأنه منزه عن المكان والزمان والجهة وعن الأين والكيف . . . ( لم يطلع العقول على تحديد صفته ولم يحجبها عن واجب معرفته ) معرفة اللّه بحقيقته وكنهه أمر لا تدركه العقول القاصرة وهذا هو الشيء الذي ينفيه الإمام ويمنع العقول أن تدركه لأن كل ما يتصوره الإنسان من صفات وخصائص فهي أمور تخيلّها وركبّها وهي تتنافى مع ذات اللّه وما هو عليه وكما في الحديث : لعل النمل ترى أن للهّ زبانيتين كمالها لأنها تتصور الكمال بهما . . . نعم نحن أدركنا الصفات بحسب ما أعطانا من المعرفة وبهذا المقدار زودنا اللّه من العلم وأعطانا من العقل لندرك قدر الواجب في معرفة الصفات فهو سبحانه وهب لكل نفس قسطا من المعرفة يعرف بها هذه الصفات قدر طاقته وقدرته . . . ( فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود تعالى اللّه عما يقوله المشبهون به والجاحدون له علوا كبيرا ) فإن هذه الآيات الظاهرة والكائنات الحادثة كلها تحكي عن وجوده وتدل على ذاته ، فكما أن الجاحد يستدل بالأثر على المؤثر وبالمعلول على العلة في غير هذه القضية فيجب أن يستدل هنا ويعرف أن للكون خالقا وصانعا فهذه حجة عليه وكما قال تعالى : ( 1 ) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ تعالى اللّه وجلّ أن يشبهّ بغيره وعلا علوا كبيرا عما يقوله المنكرون الذين هم جاحدون . .

--> ( 1 ) سورة النمل ، آية : 14 .